فخر الدين الرازي

145

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

هذه الداعية مشوبة بداعية أخرى بل بقيت خالصة عن شوائب الغير ، فهذا هو الإخلاص . وأما الثاني : وهو الإخلاص في حق غير اللّه ، فظاهر أن هذا لا يكون إخلاصا في حق اللّه تعالى . وأما الثالث : وهو أن يشتمل على الجهتين إلا أن جانب اللّه يكون راجحا ، فهذا يرجى أن يكون من المخلصين ، لأن المثل يقابله المثل . فيبقى القدر الزائد خالصا عن الشوب . وأما الرابع والخامس : فظاهر أنه ليس من المخلصين في حق اللّه تعالى ، والحاصل أن القسم الأول : إخلاص في حق اللّه تعالى قطعا . والقسم الثاني : يرجى من فضل اللّه أن يجعله من قسم الإخلاص وأما سائر الأقسام فهو خارج عن الإخلاص قطعا واللّه أعلم . أما قوله تعالى : قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ففيه وجوه : الأول : أن إبليس لما قال : إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ فلفظ المخلص يدل على الإخلاص ، فقوله هذا عائد إلى الإخلاص ، والمعنى : أن الإخلاص طريق على وإلي ، أي أنه يؤدي إلى كرامتي وثوابي ، وقال الحسن : معناه هذا صراط إلى مستقيم ، وقال آخرون : هذا صراط من مر عليه ، فكأنه مر علي وعلى رضواني وكرامتي وهو كما يقال : طريقك علي . الثاني : أن الإخلاص طريق العبودية فقوله : هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ أي هذا الطريق في العبودية طريق علي مستقيم . الثالث : قال بعضهم : لما ذكر إبليس أنه يغوي بني آدم إلا من عصمه اللّه بتوفيقه تضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى اللّه تعالى وإلى إرادته فقال تعالى : هذا صِراطٌ عَلَيَّ أي تفويض الأمور إلى إرادتي ومشيئتي طريق علي مستقيم . الرابع : معناه : هذا صراط علي تقريره وتأكيده ، وهو مستقيم حق وصدق ، وقرأ يعقوب : صراط علي بالرفع والتنوين على أنه صفة لقوله : صِراطٌ أي هو علي بمعنى أنه رفيع مستقيم لا عوج فيه . قال الواحدي : معناه أن طريق التفويض إلى اللّه تعالى والإيمان بقضاء اللّه طريق رفيع مستقيم . [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 42 إلى 44 ] إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ( 42 ) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ( 43 ) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ( 44 ) [ في قوله تعالى إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلى قوله لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ] اعلم أن إبليس لما قال : لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ أوهم هذا الكلام أن له سلطانا على عباد اللّه الذين يكونون من المخلصين ، فبين تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطان على أحد من عبيد اللّه سواء كانوا مخلصين أو لم يكونوا مخلصين ، بل من اتبع منهم / إبليس باختياره صار متبعا له ، ولكن حصول تلك المتابعة أيضا ليس لأجل أن إبليس يقهره على تلك المتابعة أو يجبره عليها والحاصل في هذا القول : أن إبليس أوهم أن له على بعض عباد اللّه سلطانا ، فبين تعالى كذبه فيه ، وذكر أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلا ، ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عن إبليس أنه قال : وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [ إبراهيم : 22 ] وقال تعالى في آية أخرى : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [ النحل : 99 ، 100 ] قال الجبائي : هذه الآية تدل على بطلان قول من زعم أن الشيطان والجن يمكنهم صرع الناس وإزالة عقولهم كما يقوله العامة ، وربما نسبوا ذلك إلى السحرة قال وذلك خلاف ما نص اللّه تعالى عليه ، وفي الآية